كوب الشاي من يد صغيرة!

كنت أقلب في بريدي الشخصي
وكنت قد احتفظت بمجلد به بعض كتاباتي
وأحببت أن تشاركوني بها
وسأبدأ بهذه القصة التي كتبتها
أثر مشهد لطفل يبيع الشاي على حاجز أبو هولي

——————————————————

كوب الشاي من يد صغيرة!
مذكرات أ. أكرم فروانه
9/4/2005

أخفى يده الصغيرة في جيبه المتهدل، أطراف الجيب ذائبة مثل باقي أجزاء ثوبه المرقع، لا تشك بأنه طفل غدر الزمان بحظه، أخفى يده ليعطي باقي النقود لذلك الرجل الذي ابتاع منه كوباً من الشاي الساخن على حاجز أبو هولي، يسير وتسير الأرض معه حاملاً أكواب الشاي البلاستيكية على ظهره الدقيق، وفي يده إبريق الشاي يطوف بين السيارات الصامتة هناك، وحيث تتكبد الشمس السماء، يتفصد من جبينه الصغير درراً من العرق، حرقته الشمس البعيدة بلهيب حرارتها فلم ترحمه، وحكم عليه قدره أن يمتهن هذه المهنة، لا يرحم صغر سنه، ولا يوقّر كبر همه.

يسير هناك إما على الإسفلت الذي مشت عليه الدبابة الثقيلة ففتته أو يسير على الرمل المجاور لا يكل من تكرار ما اعتاد الكل على سماعة هناك ” يله يا حبايب يله الشاي يا حبايب ” ويمضى حادياً تلك الكلمات على مسامع تلك القافلة البائسة، يصعد ذاك الباص لعل أحداً يشترى ما كل ذراعاه من حمله، وفجأة ينظر إلى أعلى… هناك إلى أعلى على سائق شاحنة عملاقة، أراد سائقها أن يعدل مزاجه المعكّر من الصباح فطلب منه كوباً من الشاي، والطفل المسكين صب الشاي ومد بيده القصيرة بكوبه ليتناوله السائق البعيد، عبثاً حاول أن يصل إلى يد السائق واقفاً على أطراف أصابعه البارزة من نعل مهتر دون جدوى، وأخيراً تكرم السائق عليه وعلى الناظرين وفتح الباب ونزل بجلال قدره ليتناول الشاي من تلك اليد المنهكة بنفسه!

والطفل حين يرى النصف شيكل في يده يحس بأن الدنيا النائية عنه قد دنت وأشرقت بجمالها في عيونه السوداء البريئة، فيلملم نفسه ويبدأ من جديد منقباً عن ذهبه بين جموع المزدحمين في تلك البقعة من ذلك الحاجز.
لا ينتهي نهار هذا الطفل أبداً، لأن لا بداية له! هو فقط يمارس تلك الطقوس التي أتقناها جيداً، هذا إبريق الشاي يتسع لعشرين كوباً، وذاك يتسع لأربعين كوباً، ذاك يحتاج لعشر ملاعق سكر كبيرة، وذاك النوع من الأكواب البلاستيكية أرخص من هذا، لا تحضر الماء إلا من عند أم علي، لا تترك الشاي طويلاً على الغاز لأن كل تعبك اليوم لن يكفي ربع ثمن جرة الغاز الصغيرة تلك، وكن بارعاً في اللّح على الناس لتربح في تجارتك هذه!

لقد قست عليه الدنيا بما يكفي لتنزع منه كرامته، أو تزعزع نبل شيمه، أو أن تجعل منه عبداً مأجوراً، لقد قسا الناس عليه، وأنت منهم فلم تعره اهتماماً، بل بالكاد جدت عليه بنظراتك اللعينة، تعيب صنيعه، وتشين شايه… ألا يكفى أنه أحب أن يأكل حلالاًَ بدل أن يسرق بيتك أو يصعد سلم الإجرام فيروعك أنت وأهلك!
تجاوز الصغير بصرك فلم تعد عيناك قادرة أن تمييزه بين الجموع التي أكلته، وصدى صوته الصغير مازال يطرق باب قلبك يله الشاي يا حبايب يله الشاي يا حبايب…

Advertisements

One thought on “كوب الشاي من يد صغيرة!

  1. بيسان كتب:

    مشاعر رائعة تلك التي تتسلل من بين الكلمات
    كانت ايام عصيبة مرة على الكثيرين يوجود الحاجز
    وايام لا تنسى بالنسبة لاهالي المنطقة الجنوبية

    في انتظار ان تعرض المزيد من ابداعات قلمك
    خالص تحياتي وتقديري لابداعاتك

    مودتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s